فضل شاكر فنان هزم أيديولوجيا الموت

يوليو 10, 2025

A-

A+

حتّى في ذروة أزمته الأيديولوجيّة والسياسيّة مع نفسه وجمهوره العرب واللبنانيين، ظلّ الناس يستمعون إلى “يا غايب”، “جوا الروح”، و”بحاول أخفي احساسي”.

ظلّت أبواب البيوت اللبنانيّة بمختلف طوائف أصحابها ومذاهبهم وأديانهم تسرّب صوت فضل الرومنسي المجدد في الأغنية العربيّة بعد جيل جورج وسوف وكاظم الساهر وهاني شاكر… في المقابل، استغلّ معظم الناس استشهاد عدد من جنود الجيش اللبناني ليلبسوا “الحاج فضل شمندر” الذي قرّر ذات يوم حمل الكلاشنكوف والظهور عاقد الحاجبين أمام الكاميرا مع شباب ملتحين مخدّرين بهلوسات دينيّة طائفية لبوس القتل.

على الرغم من تحوّل فضل الذي قال للمرأة “إنت بقلبي وجوا الروح” إلى حاج ينشد “سوف نبقى هنا كي يزول الألم” تضامناً مع جوعى مضايا السوريّة المتبوعة بشتائم “وين ما شوفك قاتلك يا كلب يا خنزير”، ظلّ محبّوه وكارهوه سرّاً يصيغون مشاعرهم وعلاقاتهم العاطفيّة إنطلاقاً من كلماته وإحساسه وصوته.

يطلّ اليوم فضل شاكر مع ابنه محمد من مكان ما، على الأرجح مخيم عين الحلوة، ليعود كرجل خمسيني يحن إلى طفولته في المخيمات، بأغنية “كيفك ع فراقي”، التي حقّقت عبر يوتيوب حتى لحظة كتابة المقالة 3.5 مليون مشاهدة، ماحياً كل المحاولات التي يعتمدها أتراب جيله لإعادة زمن الرومنسية الجميلة.

اختار فضل شاكر أن يعيد جمهوره إلى نوستالجيا تعلقهم بكاريزمته، فظهر بـoutfit أنيق ونظارات سوداء تذكرنا بآل باتشينو في الجزء الثالث من العرّاب (مايكل كوروليوني)، ومعه ابنه محمد الذي ورث بعضاً من خامة صوت الاب.

أعادنا فضل الذي يصرّ على مواقفه السياسية ضد نظام البعث السوري القاتل، ونال على ثباته على مبدئه عضويّة شرف من نقابة الفنانين السوريين برئاسة الممثّل مازن النّاطور – فضل الذي بقي على معاداته لمحور أدخلنا في حروب عبثيّة وجبهات نحن بغنى عنها، محور احترف تركيب التهم له ولسواه من المعارضين، مرّة تطاول وطنيتهم فيصفونهم بالعملاء، ومرة أخرى تطاول أخلاقهم فيصفونهم بالمتحرشين ويبتزونهم.

فضل شاكر خلع الأيديولوجي العاطفي الأعمى الذي لصق بجلده، اعترف بذنبه كحاقد على تنظيم ينفذ أجندة دينية خارجية قتلت أخاه ودمرت منزله وسرقت ممتلكاته… وجّه سهام الكراهية ضد كل من لا ينصفه ويضمن له محاكمة عادلة.

فضل الذي برّأه القضاء اللبناني من تهم القتل والتعامل مع تنظيم إرهابي يحاول اليوم التغلب على تهم الكراهية والتحريض التي لازمته في فترة لا تشبهه… ويطلّ متسائلاً سائلاً حبيبته الأزليّة المرأة: “كيفك ع فراقي؟”؛ وهو يسأل الجانب العاطفي في قلوب جمهوره “كيفكن ع فراقي؟”.

لم يكن فضل شاكر يوماً إلّا مواسياً، ناطقاً بأسمائنا نحن العشّاق، نحن الناجين من تجارب عاطفيّة مريرة، نحن الذين نعيش تجارب عاطفيّة مختلفة… فضل شاكر ليس مجرّد صوت، هو شاعر وناقد أيضاً، يختار الكلمات التي سيغنّيها ليجعل جمهوره بشكل لا واعٍ مثقّفاً، طبيباً يشخّص حالته النفسيّة والعاطفيّة عبر دندنة “يا مسهرني الليل”، “معقول إنساك معقول”، “بيّاع القلوب بعني”، “وافترقنا”، “يا غايب ليه ما تسأل”.

منذ عودته لم أستسغ معظم ما قدّمه، لكن “كيفك ع فراقي” كانت تحاكي “كيفك إنت” التي صاغتها صوتاً الأيقونة فيروز… وأخذتنا إلى بداياته العتيقة فنّاً.

فضل يعود عن خطيئته وأدلجته، ويثبت أنّ “الي انكسر بيتصلح”… هو يمنح نفسه فرصة أخرى… ونحن أيضاً نمنحه ونمنح أنفسنا كذلك.