إمبراطورية الظل لقمع قيام الدولة
أغسطس 13, 2025
A-
A+
في جلستين متتاليتين عقدهما مجلس الوزراء يومي الثلاثاء 5 آب والخميس 7 آب، اتخذت الحكومة اللبنانية قرارات حاسمة تستهدف استعادة سلطة الدولة وتحقيق سيادتها. أولاً، كُلفت قيادة الجيش بوضع خطة تنفيذية مفصلة لحصر كل السلاح غير الشرعي بيد المؤسسة العسكرية وحدها، تُعرَض أمام مجلس الوزراء قبل نهاية الشهر الحالي، وتُنفّذ بالكامل قبل نهاية العام. ثانياً، وافقت الحكومة على الأهداف الأساسية للورقة الأميركية لتثبيت وقف إطلاق النار مع إسرائيل، والتي تشمل نشر الجيش اللبناني في كامل منطقة الجنوب، التطبيق الفعلي للقرار 1701، تفكيك الميليشيات خارج إطار الدولة وانسحاب إسرائيل واستئناف المفاوضات التقنية لترسيم الحدود البرية والبحرية.
ومع أنها قرارات صاغتها السلطة الشرعية بغطاء شعبي لبناني ودعم دولي، انسحب وزراء محسوبون على حزب الله وحركة أمل من الجلسة، في لفتة سياسية أثارت السؤال: لماذا يرفض حـ*ب الله، أو على الأقل أطراف وازنة داخله، الانصياع لمنطق الدولة وسيادتها؟ هل السبب هو الحسابات الإقليمية المرتبطة بموقعه في محور إيران، أم أن هناك دوافع داخلية متجذّرة لا تقل أهمية، وربما ستغدو في المستقبل القريب العامل الحاسم؟
من لاعب أقليمي كبير إلى حزب سياسي يصعب عليه الاستقطاب
لنُقرّ أولاً بأن الواقع الإقليمي لم يصب الحزب وحده، بل أنهك الحلف الذي يستند إليه. فقد أدّت معركة غزة إلى استنزاف حركة حماس، ثم شهد حزب الله نفسه هزيمةً مدويّة عقب الضربة الإسرائيليّة الأخيرة عليه وفقدان الممرّ السوري بسقوط نظام الأسد، كما وجد الحوثيون في اليمن أنفسهم محاصرين.
وآخر المشاهد، الضربات الإسرائيلية والأميركية المباشرة على أهداف إيرانية داخل الأراضي الإيرانية نفسها، دفعت طهران إلى إعادة حساباتها الأمنية والاستراتيجية، على الرّغم من العناد الّذي يظهر علناً في محاولة لاسترجاع ما فقدته.
إنّ القضاء على المحور الّذي تديره إيران في المنطقة يثير مخاوف قادة الحزب من الهزيمة الكبرى الآتية على الصعيد الداخلي بعد سحب سلاحه، ما يجعله حزباً سياسيّاً يصعب عليه مواكبة متطلّبات العصر في ظلّ الإيديولوجيّة الّتي تشرّبها قادته وشعبه على مدى عقود.
الفساد السياسي والتحالفات المتبادلة
ساهم تحالف حزب الله مع رؤوس أموال وسياسيين فاسدين في إحكام قبضته على المشهد السياسي، عبر شبكة من المصالح المتبادلة. فقد شارك نواب ووزراء وقضاة ومدراء عامّون ومسؤولون أمنيّون محسوبون على الحزب أو حلفائه في ملفات فساد كبرى، أو تدخّلوا لإقفالها، مقابل دعم المشاريع الأمنية والعسكرية للحزب أو السكوت عنها، بل الدفاع عنه تحت شعار “المقاومة”. هذا التواطؤ منح الحزب غطاءً سياسياً وقانونياً لإدامة دوره كأداة إيرانية، وأسهم مباشرة في تفكيك مؤسسات الدولة وتغذية الانهيارات المتتالية، ما جعل الفساد جزءً بنيوياً من آلية الحكم.
الاقتصاد الموازي والتهريب وتجارة المخدرات والسلاح
يدير الحزب شبكة مصالح اقتصادية غير مشروعة تشمل التهريب وتجارة السلاح والمخدرات والوقود، إلى جانب التهرّب الضريبي والسيطرة على موارد وخدمات أساسية. تنتشر هذه الشبكات عبر المرافئ والمطارات والمعابر البرية غير الشرعية، بما يمنحها قدرة على تجاوز رقابة الدولة وإضعاف أجهزتها.
ولا تقتصر إدارتها على كوادر الحزب، بل تمتد إلى طيف واسع من الحلفاء: سياسيون يوفّرون الغطاء القانوني، قيادات أمنية تسهّل أو تتغاضى، عشائر نافذة تشارك في المسارات غير المشروعة، ورجال أعمال يرتبطون بعقود وشراكات مالية، إضافة إلى داعمين إقليميين يمدّونها بالتمويل والأسواق. هذا التشابك أنتج ما يشبه “اقتصاد نفوذ” متبادلاً، حيث تُستخدم القوة العسكرية للحزب لحماية هذه الشبكات وضمان استمراريتها، مقابل توفير المستفيدين غطاءً سياسياً وأمنياً وإعلامياً يعزّز حصانة الحزب.
ومع مرور الوقت، تحولت هذه البنية الاقتصادية إلى ركيزة موازية لمشروع الحزب العسكري والسياسي، حتى صار المساس بها بمثابة تهديد مباشر لمصالح واسعة النطاق، داخلية وعابرة للحدود.
النفوذ العشائري والديني والسياسي المحلي
في مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، أسس الحزب منظومة ولاءات تقوم على تحالفات مع شيوخ عشائر وأئمة مساجد وزعامات عائلية كبيرة، مدعومة بالسلاح والخدمات الاجتماعية ذات الطابع الطائفي. يحصل أبناء هذه البيئة على مساعدات غذائية، بطاقات مازوت، أو دعم مالي، ما يعمّق الارتباط بمؤسسات الحزب ويضعف أي نزعة معارضة. وبالنسبة لهذه القوى المحلية، فإن حصر السلاح أو نزعه يعني تقويض نفوذها وفقدان أدوات السيطرة الاجتماعية والسياسية، ما يفسر وقوفها بصلابة إلى جانب بقاء ترسانة الحزب.
الاغتيالات وتعطيل العدالة
منذ اغتيال رفيق الحريري وصولاً إلى لقمان سليم والحصروني، تكررت الإشارات والاتهامات إلى شخصيات وأطراف على صلة بالحزب أو بأجهزة أمنية حليفة له. وفي انفجار مرفأ بيروت، تعثرت التحقيقات لمرّات عدّة، وسط اتهامات مؤكّدة بأن تدخّل مسؤولين أمنيين مرتبطين بالحزب، مثل وفيق صفا، أجهض مسار كشف الحقائق. هذه الممارسات عززت قناعة واسعة بأن هناك إرادة سياسية وأمنية مشتركة لإبقاء ملفات حساسة في دائرة الغموض، حمايةً لشبكات نفوذ تتجاوز المسؤولية الفردية إلى تواطؤ مؤسسي أوسع.
شبكة المصالح تمنع قيام الدولة
ما يعيق الدولة اليوم ليس التهديد الخارجي الإيراني فقط، بل شبكة مصالح داخلية متشابكة: اقتصاد موازٍ، تهريب سلاح ومال، ملفات اغتيال وفساد، شراكات مع تجار المخدرات، وتحالفات مع زعامات عشائرية ودينية. حزب الله صنع هذه الشبكات ليكون “دولة داخل الدولة”، وهم اليوم من سيضغطون معه لرفض قرارات مجلس الوزراء وكبح المشروع السيادي. لأن قيام الدولة يعني تفكيك منظومتهم، وهو ما سيستشرسون لعدم حصوله، أكان بإرسال المراهقين وهواة الشوارع في تظاهرات “الموتسيكلات”، أو الاعتداء غير المباشر على الجيش كما حصل في الجنوب، وصولاً إلى سيناريوهات أخطر، تُحوّل الحزب إلى عصابة مسلّحة خارجة عن القانون.
لكن يبقى السؤال: هل يحق لهذه الشبكات أن تدفع طائفة بأكملها إلى التمسك بالسلاح وتعريضها، ومعها لبنان، لموجة إنهيارات وضربات أقسى من كل ما سبق؟
الأكثر قراءة
- رقصة اولى حولها القدر الى الرقصة الاخيرة: نزيف الأقليّات مستمرّ فانيسا حبيب
- في خدمة الحريّة: مستمرون في مواجهة الهمجيين والبلطجيين والميليشيا محمد الغزاوي
- عن التروما التي تعشقنا وتحاول قتلنا كارل حدّاد
- مجموعة “بريكس” تتوسع: هل ينتهي عصر الدولار؟ رَهادة الصميدي