إسكات الكلمة بالدم
أغسطس 12, 2025
A-
A+
في غزة، حيث السماء ملبدة برائحة البارود، والأرض مثقلة بدماء الأبرياء، وفي مشهد يختزل وحشية العدوان، تحولت كاميراتهم إلى شهود صامتة على لحظاتهم الأخيرة…
في جريمة جديدة تكشف عن حجم الانتهاكات الممنهجة بحق الصحافة الفلسطينية، ارتقى الزميلان أنس الشريف ومحمد قريقع، إلى جانب رفاقهم الصحفيين مؤمن عليوة، محمد الخالدي، محمد نوفل، وإبراهيم طاهر، شهداء للواجب وللحقيقة، إثر غارة من مسيّرة إسرائيلية استهدفت خيمتهم أمام بوابة مجمع الشفاء الرئيسة غرب مدينة غزة.
لم يكن هؤلاء الشهداء مجرد ناقلين للأخبار أو ملتقطي صور، بل كانوا شهوداً على واحدة من أكثر الحروب وحشية في العصر الحديث.
كانوا قلوباً تنبض بحب فلسطين، وأرواحاً تحمل الحقيقة على أكتافها وسط الركام والنار، كانوا يركضون نحو الخطر لا هرباً منه، نحو صرخة طفل تائه، أو أم تبحث بين الحجارة عن بقايا حضنها، بكاميراتهم وأقلامهم، وثقوا مشاهد القصف والدمار، وصوت الأمهات الثكالى، ودموع الأطفال الجائعين، متحدّين خطر الموت الذي يلاحقهم في كل لحظة. كانوا يلتقطون الصورة، لكنهم في الحقيقة كانوا يلتقطون الروح الفلسطينية وهي تصارع للبقاء.
الاحتلال، الذي فشل في إخفاء جرائمه، لجأ إلى سياسة استهداف الصحفيين بشكل مباشر، في محاولة لطمس الحقيقة ومنع وصول الصورة إلى العالم. لكن دماء الشهداء الصحفيين تحوّلت إلى وثيقة دامغة على حجم الإجرام، ورسالة بأن الحقيقة لا يمكن أن تُقتل.
وبعد الإعلان عن استشهاد الصحفيين الستة في المجزرة الإسرائيلية أمام مجمع الشفاء الطبي غرب مدينة غزة، يكون بذلك قد ارتفع عدد الشهداء الصحفيين إلى 238 صحفياً.
إن استهداف الصحفيين يشكل انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية، وخرقاً فاضحاً لاتفاقيات جنيف التي تضمن حماية الصحفيين في مناطق النزاع. وعلى الرغم من وضوح هذه الانتهاكات، فإن الصمت الدولي والعربي المخزي لا يزال يوفّر للاحتلال غطاءً للاستمرار في جرائمه، ويشجعه على ارتكاب المزيد.
منظمات حقوق الإنسان وصفت الحادثة بأنها انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، وخاصة المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف التي تنص على حماية الصحفيين المدنيين في مناطق النزاع.
وعلى الرغم من تكرار هذه الجرائم، لم تتخذ أي إجراءات عملية لمحاسبة المسؤولين ما يكرس سياسة الإفلات من العقاب.
اليوم، ونحن نودّع أنس الشريف ومحمد قريقع ورفاقهم، ندرك أن معركتهم لم تكن مجرد مهنة، بل كانت التزاماً أخلاقياً وإنسانياً تجاه شعبهم وقضيتهم. هم ارتقوا شهداء، لكن رسالتهم باقية، وعدساتهم لا تزال تروي للعالم حكاية غزة المحاصرة، وحلمها بالحرية.
دماؤهم أمانة في أعناق كل من يحمل الكاميرا والقلم، وصرخة بوجه عالم اختار الصمت أمام إبادة شعب بأكمله، وحكاياتهم وصورهم أصدق من أي خطاب سياسي أو بيان استنكار.
لقد أثبتوا أن الصحافة في فلسطين ليست مهنة اعتيادية، بل هي مقاومة من نوع آخر، مقاومة تكتب بالدم قبل الحبر، وبالصورة قبل الكلمة.
سلام لعدساتكم التي التقطت الوجع، وسلام لقلوبكم التي وسعت وطناً، وسلام لأرواحكم التي ارتفعت لتكتب في السماء… “لن يسكت صوت الحقيقة”.
الأكثر قراءة
- رقصة اولى حولها القدر الى الرقصة الاخيرة: نزيف الأقليّات مستمرّ فانيسا حبيب
- في خدمة الحريّة: مستمرون في مواجهة الهمجيين والبلطجيين والميليشيا محمد الغزاوي
- عن التروما التي تعشقنا وتحاول قتلنا كارل حدّاد
- مجموعة “بريكس” تتوسع: هل ينتهي عصر الدولار؟ رَهادة الصميدي