لبنان بين شرعية الدولة ومخططات الفوضى

أغسطس 1, 2025

A-

A+

تأتي زيارة المبعوث الأميركي توم براك إلى لبنان في لحظة سياسية وأمنية حرجة، في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، وواقع داخلي هش. لكن هذه الزيارة لم تكن مجرّد محطة دبلوماسية روتينية، بل شكّلت عامل ضغط مباشر على المعادلة اللبنانية، لما حملته من رسائل صدامية تتجاوز حدود اللياقات السياسية.

فبينما يسعى لبنان للحفاظ على حدٍّ أدنى من الاستقرار، خصوصاً مع وجود حزب الله كلاعب سياسي وأمني مركزي، تظهر واشنطن وكأنها تسير بعكس هذا التوجّه، مستخدمة سياسة الضغوط القصوى لفرض نزع سلاح الحزب، ولو جاء ذلك على حساب الأمن اللبناني.

الخطورة الأبرز في هذا السياق، تكمن في اعتماد الولايات المتحدة، وفق مؤشرات عدّة، على ما يُعرف بنظرية “الفوضى الخلّاقة”، وهي آلية سبق استخدامها في أكثر من دولة عربية. جوهر هذه النظرية هو خلق حالة من الفوضى المتعمّدة للوصول لاحقاً إلى نظام سياسي يخدم المصالح الأميركية، وفي مقدمتها: أمن إسرائيل. ووفق هذا المنطق، ترى الإدارة الأميركية أن نزع سلاح حزب الله أولوية لا تحتمل التأجيل، متجاهلة بذلك الواقع اللبناني المركّب والمبني على توازنات طائفية دقيقة.

الإدارة الأميركية أبدت امتعاضها من الموقف اللبناني، واعتبرت أن الردود الرسمية لا ترتقي إلى مستوى مطالبها. وعبّر براك عن هذا الموقف بصراحة عبر “إكس”، حين وصف سلاح حزب الله بأنه تحدٍّ يجب أن تعالجه الحكومة اللبنانية، في تصريح اعتُبر رسالة ضغط وإحراج واضحة للدولة، كأنّها مطالبة بخوض مواجهة داخلية تحت عنوان “الشرعية”.

في هذا السياق، شدّد المبعوث الأميركي على أن هدف واشنطن هو قيام دولة لبنانية قوية تواجه حزب الله وتنزع سلاحه. لكن هذه المقاربة تضع لبنان أمام معادلة خطيرة: إما الاصطدام بالحزب تنفيذاً للقرارات الدولية، وإما مواجهة عزلة وضغوط دولية قاسية. وهذا يعني خسارة موقع لبنان في التغييرات الإقليمية، وبقاؤه رهينة سلاح خارج سلطة الدولة.

المسألة لا تقف عند التصريحات، بل تمتد إلى خطوات عملية، فمثلاً موازنة الولايات المتحدة للعام 2026 لا تتضمن أي دعم مالي للجيش اللبناني، في سابقة تهدف إلى ممارسة ضغط مباشر على المؤسسة العسكرية، وربما دفعها إلى مواقف أكثر عدائية تجاه الحزب، ما ينذر بإشعال فتيل توتر داخلي جديد.

في المقابل، تلتزم الدولة اللبنانية خيار التفاوض، وهو ما أكّده رئيس الجمهورية جوزيف عون، الذي قام باتصالات مباشرة مع الحزب لمعالجة ملف السلاح، على الرغم من بطء التقدم. هذا المسار يُعدّ الطريق الوحيد لتجنّب الانفجار، لكنه يواجه تعنتاً دولياً، وتحديداً من واشنطن، التي تضيق هامش الخيارات السياسية.

الرئيس عون، بحكم موقعه، يسعى لتقريب وجهات النظر وضمان السلم الأهلي، مع التمسّك بحق الدولة في بسط سلطتها وتنفيذ القوانين التي تحظر وجود ميليشيات مسلّحة خارج الشرعية. وقد يكون التفاوض، بالتوازي مع تعزيز الحضور المؤسساتي للدولة في الجنوب، مدخلاً عملياً لعزل الحزب شعبياً، وتقليص نفوذه التدريجي، كما فعل الرئيس فؤاد شهاب سابقاً عبر دمج العشائر في مؤسسات الدولة.

لكن حزب الله، وعلى الرغم من مشاركته في الحوار، لم يُظهر أي استعداد حقيقي لتقديم تنازلات فعلية. بل على العكس، أطلق تصريحات تنذر بالتصعيد، وكأنه يلوّح بحرب أهلية لحماية مكاسبه، ما يطرح تساؤلات جوهرية: ما وظيفة هذا السلاح بعد انسحاب الحزب من جنوب الليطاني؟ ولماذا لا يُسلَّم للدولة؟ وهل تحوّل من أداة مقاومة إلى وسيلة فرض سياسي داخلي؟

في الخلاصة، لا تبدو الولايات المتحدة معنيّة باستقرار لبنان، بل تركّز على فرض واقع سياسي جديد يُقصي سلاح الحزب بأي وسيلة، حتى وإن أدّى ذلك إلى إشعال نزاع داخلي. وإذا استمر هذا النهج وسط غياب حلّ لبناني جامع، فإن شبح الحرب الأهلية سيبقى حاضراً. وبهذا، يجد لبنان نفسه أمام مفترق حاسم: إما التمسّك بمنطق الدولة، أو السقوط في فوضى مجهولة ترسمها القوى الخارجية وفق مصالحها، لا وفق مصلحة اللبنانيين.