تهديد مزدوج يخنق سيادة لبنان

أغسطس 14, 2025

A-

A+

يُعَد “احتكار القوة المشروعة” أساس قيام الدولة الحديثة، كما حدده عالم الاقتصاد والاجتماع والسياسة ماكس فيبر، الذي يرى أن شرعية الدولة تقوم على كونها الجهة الوحيدة المخوّلة باستخدام العنف ضمن حدودها. هذا الاحتكار ليس قمعاً بل شرط لسيادة القانون وضمان الاستقرار. ويعود جذره لنظريات سياسية قديمة، ولتجارب تاريخية كالإمبراطورية الرومانية التي منعت الجماعات المحلية والخاضعة من امتلاك السلاح لضبط التمردات وتوحيد السلطة. فالسيادة، تاريخياً وعملياً، لا تستقيم من دون احتكار الدولة للسلاح، بوصفه أداة لضمان النظام وفرض الشرعية على كامل الإقليم.

في كتابه “السياسة كمهنة”، يعرّف فيبر الدولة بأنها “ذلك المجتمع البشري الذي يطالب بنجاح باحتكار الاستخدام المشروع للقوة المادية داخل إقليم معين”. واللفظة الجوهرية هنا هي “المشروع” (Legitimate)؛ فالعنف قد يُمارس من قِبل أي طرف، لكن ما يمنحه الشرعية هو تفويض المجتمع للدولة باستخدامه وفق القانون.

وتستند هذه الشرعية، كما كشّف فيبر، إلى ثلاثة أنواع من السلطة: تقليدية مستمدة من العادات، وكاريزمية ترتبط بشخص القائد، وعقلانية قانونية تقوم على البيروقراطية الحديثة، وهي الأساس الذي تنهض عليه الدولة الحديثة. ووفقاً لفلاسفة العقد الاجتماعي كتوماس هوبز، فإن الأفراد يتنازلون طوعاً عن جزء من حريّاتهم لصالح سلطة عُليا تضمن أمنهم؛ ما يجعل من احتكار العنف وظيفة وجودية للدولة.

على ضوء هذا الإطار النظري، يمكن التمييز بوضوح بين الدولة الحديثة، أو كما أحبّ تسميتها “الدولة العتيّة”، وبين الدولة الهشّة. الدولة العتية تنجح في فرض سيطرتها على كامل أراضيها، وتكون مؤسساتها الأمنية والقضائية هي المرجع الحصري لتنظيم المجتمع وحل النزاعات. أما الدولة الهشّة، فهي على النقيض تماماً. وفي الحالة اللبنانية، لا تقتصر هذه الإشكالية على سؤال “من يملك السلاح؟”، بل تمتد لتشمل ما هو أعمق: هل تملك بيروت فعلاً القدرة والإرادة لتكون الحَكم الوحيد في استخدام القوة؟

بعد الحرب الأهلية (1975–1990)، جاء اتفاق الطائف العام 1989 كمحاولة لإعادة بناء الدولة اللبنانية تحت مظلة القانون، ونصّ بوضوح – فيما أصبح لاحقاً جزءاً من الدستور – على حصرية السلاح بيد الدولة، وحلّ التنظيمات المسلحة كافة خلال ستة أشهر. بيدَ أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجنوب مهّد لاستثناء غير معلن لحزب الله، بوصفه مقاومة لا ميليشيا. ومع الانسحاب الإسرائيلي العام 2000، لم يُطرح السلاح للنقاش الوطني، بل ترسّخ كأمر واقع. بعد حرب تموز 2006، أعاد الحزب تأطير سلاحه كـ”دفاعي”، وربطه بمناطق “غير محررة” مثل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، مع استخدام ثقله لتعطيل أي حوار حول الاستراتيجية الدفاعية. وهكذا، تحوّل الاستثناء الظرفي إلى بنية دائمة تقوّض الدستور نفسه، وتُفرغ مبدأ سيادة الدولة من معناه، لصالح واقع مزدوج تُحكم فيه السياسة والاقتصاد بسلاحٍ خارج المؤسسات.

في ضوء تشكيل حكومة جديدة مطلع 2025 تعهّدت بحصرية السلاح، جدّد حزب الله رفضه أي نقاش حول تسليمه، مؤكداً، على لسان نعيم قاسم في أواخر تموز 2025، أن “السلاح شأن داخلي” وأن نزعه يُهدد بعودة الاحتلال. كما حذّر من خطر وجودي من إسرائيل وداعش، مبرراً استمرار السلاح بعدم تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار. هذا الموقف يتماهى مع تهديد سابق أقل دبلوماسية بأن “اليد التي تمتد على السلاح ستُقطع”، في تأكيد على قرار استراتيجي باحتكار القوة خارج مؤسسات الدولة، وتعطيل سيادتها الدستورية.

هذا التصلّب في الموقف لا يُفاقم فقط من حدة الانقسام السياسي والاجتماعي، بل يدفع لبنان إلى مأزق وجودي. فهو اليوم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الذهاب إلى مواجهة داخلية محفوفة بالمخاطر في ظل هشاشة الدولة والبنية الطائفية، أو القبول الضمني بازدواجية السلطة والسلاح، بما يعني تعطيل سيادة الدولة واحتكار جماعة حزبية قرارَي السلم والحرب خارج الأطر الدستورية.

والمفارقة أن هذا المشهد يتكرّس في لحظة أفول إقليمي لمحور “المقاومة”، منذ تصاعد هجمات البيجر واغتيالات القادة العام 2024، وحتى تداعيات الحرب الإيرانية الإسرائيلية في حزيران 2025. المعادلة الدولية تغيّرت، ولم تعُد القوى الكبرى تتسامح مع جماعات مسلّحة تفرض أمراً واقعاً من خارج الدولة. والضغط اليوم على بيروت لا يتعلّق بتنازلات سيادية، بل بإجابات ضرورية حول مستقبل الدولة نفسها.

فاستمرار وجود سلاح غير شرعي لم يعُد يُقرأ إلا كتهديد مزدوج؛ لشرعية الدولة داخلياً، ولأمن لبنان القومي. وكل لحظة تتأخر فيها بيروت عن حسم هذه المعضلة، تُستنزف فيها سيادتها وتتراجع قدرتها التفاوضية دولياً. فالسؤال المركزي لم يعُد “من يملك السلاح؟”، بل “من يملك القرار؟” فما نشهده اليوم، ببساطة، هو احتكار للقوة… من غير الدولة.