حرب على 7 مليارات بشري 

يوليو 4, 2025

A-

A+

المليار الذهبي، أو ما يُعرف بالنظرة الروسية لأعداد السكان وتوزيع الثروات، لا تزال نظرية تثير جدلاً واسعاً حتى اليوم. فهل يتجه العالم فعلاً نحو تقليص سكاني ممنهج لضمان التمتع بالموارد المحدودة؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه نظرية مؤامرة تهدف إلى إثارة الفوضى؟ دعونا نقترب أكثر من كلا الطرحين لفهم أبعادهما. 

نظرية المليار الذهبي 

قبل الخوض في الفرضيات المرتبطة بهذه النظرية، لا بد من توضيح مفهومها أولاً. فبحسب موسوعة ويكيبيديا، يُعد “المليار الذهبي” مصطلحاً شائعاً في روسيا والدول المتحدثة بالروسية، يُستخدم للإشارة إلى الدول الصناعية الغنية (دول العالم الأول). وتفترض النظرية أن ثراء الغرب قائم جزئياً على استغلال مستعمراته السابقة في العالم الثالث، وأن موارد الأرض لا تكفي لتلبية حاجات أكثر من مليار نسمة يعيشون بمستوى الدخل والرفاهية السائد في تلك الدول. وبالتالي، فإن نمط الاستهلاك العالي في الغرب لا يمكن تعميمه على بقية سكان العالم بسبب محدودية الموارد. 

إذاً، تقوم النظرية على أمرين أساسيين: أولاً، أن الدول الغنية تزداد ثراءً بشكل مفرط نتيجة استغلالها لدول العالم الثالث، على الرغم من أن الجهد المبذول في هذه الدول غالباً ما يفوق نظيره في الدول المتقدمة، بينما يبقى العائد المادي أدنى بكثير. وثانياً، أن تحقيق مستوى الرفاهية السائد في أوروبا يستلزم تقليص عدد سكان العالم إلى مليار نسمة فقط. 

المليار الذهبي وتعداد السكان 

بلغ عدد سكان العالم وفق إحصائيات العام 2023 نحو 8.062 مليار نسمة، ما يعني أنه، وفقاً لنظرية المليار الذهبي، يجب أن يختفي 7.062 مليار إنسان ليبقى فقط ذلك “المليار” الذي سيحظى بالرفاهية ويتمتع بموارد الكوكب دون قيود. 

فمن هي الدول الأكثر اكتظاظاً بالسكان؟ الصين مثلاً، يبلغ عدد سكانها 1.411 مليار نسمة، وحتى لو اختفى سكانها بالكامل، يبقى عدد كبير من السكان لا بد من إزالتهم. وماذا عن الهند؟ هي الأخرى تضم نحو 1.438 مليار نسمة. حتى الوطن العربي بأسره لا يتجاوز 473 مليون نسمة، ما يعني أن الطريق نحو “المليار الذهبي” يتطلب محو وجود دول بأكملها. 

لتحقيق “المليار الذهبي”، فإن الأمر يتطلب عملياً اندثار دول وحضارات بأكملها. وإذا افترضنا توزيعاً متساوياً لفناء البشر بين مختلف الدول للوصول إلى هذا الرقم، فإن البنية الاجتماعية العالمية ستشهد تحولات جذرية، وقد تندلع صراعات حتمية نتيجة لهذا التغيير الكارثي. لكن قبل المضي أبعد، يجدر بنا التوقف عند هذا السيناريو وتأمله بتمعّن. 

قبل أن يبلغ عدد سكان العالم 8.062 مليار نسمة في شكله الحالي، كان قد وصل فعلاً إلى عتبة المليار للمرة الأولى العام 1804. ولو افترضنا صحة نظرية “المليار الذهبي”، لكان العالم آنذاك يعيش في رفاهٍ وسلامٍ مطلق، في ظل وفرة الموارد وتوازن التعداد السكاني. لكن الواقع كان مغايراً تماماً: فالحروب والصراعات لم تتوقف، ما يطرح تساؤلاً منطقياً—إذا كان بلوغ المليار لم يمنع نشوب النزاعات، فكيف يُفترض أن يحقق ذلك الرفاهية المنشودة اليوم؟ 

الكارثة الحقيقية تكمن في أن الفترة ما بين العامين 1800 و1809 وحدها شهدت اندلاع نحو 40 حرباً وصراعاً حول العالم، تلتها فترة 1810 إلى 1819 التي سجلت ما يقارب 46 حرباً أو انتفاضة. أي أن العالم شهد خلال 19 عاماً فقط أكثر من 80 نزاعاً، على الرغم من أن عدد سكانه حينها لم يتجاوز المليار نسمة. وهذا يقوّض تماماً الادعاء بأن تقليص عدد السكان سيقود بالضرورة إلى عالم أكثر سلاماً أو استقراراً. 

إن الترويج لفكرة تقليص عدد سكان العالم إلى مليار نسمة لتحقيق الرفاهية الشاملة لا يعدو كونه وهماً أقرب إلى الخيال، فالتاريخ يثبت أن العالم عندما كان يضم هذا العدد من السكان لم يكن أكثر استقراراً، بل غارقاً في الحروب والصراعات، على الرغم من بدائية الأسلحة آنذاك. أما اليوم، فالواقع يشير إلى انكماش سكاني فعلي تشهده الكثير من الدول، لأسباب مرتبطة بتغيّر أنماط الحياة، وتراجع معدلات الولادة مقارنة بالوفيات، وهو مسار ديموغرافي لا علاقة له بنظرية المليار الذهبي. 

بحسب تقرير رسمي نشرته DW بالعربية تحت عنوان “تراجع كبير في معدلات المواليد حول العالم”، أفاد المعهد الفيدرالي لأبحاث السكان في ألمانيا بأن زمن العائلات الكبيرة قد أصبح من الماضي. ففي خمسينيات القرن الماضي، كان متوسط عدد الأطفال لكل امرأة يتراوح بين 4.7 و5 أطفال، أما اليوم فقد انخفض هذا الرقم إلى النصف، مع توقعات باستمرار التراجع. ويُعزى هذا الانخفاض إلى عوامل متعددة، أبرزها انتشار وسائل منع الحمل، وتزايد رغبة النساء في نيل تعليم أفضل، وتحقيق الاستقلال المهني، إلى جانب تحوّل الأولويات بعيداً من تكوين أسر كبيرة. 

نظرية المليار الذهبي والمؤامرة 

في العام 2022، صرّح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من موسكو قائلاً: “نموذج الهيمنة المطلقة لما يُعرف بالمليار الذهبي هو نموذج غير عادل. لماذا يُفترض بهذا المليار من سكان العالم أن يفرض سلوكياته وقواعده على الآخرين؟ هذا المفهوم يكرّس تقسيم البشرية إلى درجات، أولى وثانية، وهو في جوهره عنصري واستعماري بصيغة جديدة”. 

ويرى الرئيس الروسي أن هناك فئة محدودة من سكان العالم، تُقدّر بنحو مليار نسمة، هي التي تهيمن على مفاصل القرار العالمي، وتتسبّب في التقسيمات الحالية بين دول العالم الأول والثاني والثالث. وكما أُشير سابقاً، فإن جذور نظرية “المليار الذهبي” تعود إلى الأوساط الروسية. ففي كتاب صدر العام 1990 بعنوان “مؤامرة الحكومة العالمية: روسيا والمليار الذهبي”، عرض المسؤول الروسي أناتولي تسيكونوف تصوّراً مفاده أن السباق المحموم نحو السيطرة على الموارد سينتهي بكارثة تطاول الجميع باستثناء هذا “المليار المحصّن”، الذين سيحتكرون النجاة والرفاهية. وبما أن روسيا تمتلك وفرة من الموارد الطبيعية، فإنها – حسب هذا المنطق – ستُواجه محاولات شرسة من قِبل الدول الأخرى لإخضاعها. وأعادت الحكومة الروسية تبنّي هذه النظرية في العام 2022، مبرّرة بها أن العزلة التي فُرضت عليها عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية ليست نتيجة الحرب نفسها، بل جزء من مؤامرة ممنهجة ضدها. 

يرى الباحث إليوت بورنشتاين من جامعة نيويورك أن مفهوم “المليار الذهبي” ليس سوى استعارة تعبّر عن الحالة الروسية في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، إذ برزت الحاجة إلى حماية الموارد الطبيعية من الجشع الأوروبي والغربي. وبحسب رأيه، فإن الغاية الأساسية من تبنّي هذا المفهوم هي تصوير الصراع على أنه محاولة ممنهجة لتدمير الاقتصاد الروسي والسيطرة على ثرواته. 

لا تزال نظرية “المليار الذهبي” تحظى بانتشار واسع حتى اليوم، وتعود إلى الواجهة في مناسبات عدّة، خصوصاً في سياق الحرب الروسية الأوكرانية. وفي هذا الإطار، قال الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف: “بإمكانك أن تصف نفسك بالمليار الذهبي كما تشاء، لكن عدد سكان العالم يفوق ذلك بأضعاف، والمعادن اليوم أغلى من الذهب”. 

في المحصلة، سواء اعتُبرت نظرية “المليار الذهبي” محاولة لتقليص النمو السكاني بهدف ضمان تقاسم أفضل للموارد، أو أداة دعائية تبنّتها روسيا لتبرير سياساتها، فإن هذا المفهوم يبقى مجرد رقم رمزي لا يجسّد الرفاهية بقدر ما يعكس نزعة استعمارية بثوب جديد. ورغم الضجيج المحيط به، من المستبعد أن يتحقق كما يتصور أنصاره.