مستعمرات خفية على أبواب دمشق
أغسطس 7, 2025
A-
A+
شهدت منطقتا صحنايا وجرمانا، المعروفتان بغلبة الطائفة الدرزية منذ أكثر من قرن، توسعاً ملحوظاً خلال سنوات الثورة السورية. ففي صحنايا، اتسم التوسع بطابع تدريجي ومنظم، حيث امتد العمران نحو الأراضي الزراعية، ما أدى إلى تغير ديموغرافي لافت، وارتفاع عدد السكان إلى ما بين 40 و50 ألف نسمة بحلول العام 2020. أما جرمانا، فشهدت تضخماً سكانياً غير مبرر، إذ تضاعف عدد سكانها ليتجاوز 300 ألف نسمة في مطلع العام ذاته.
يثير هذا النمو العمراني والسكاني غير المتناسب مع ظروف الحرب والنزوح والتهجير، تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التوسع، والجهات التي تقف خلف التغير الديموغرافي المفاجئ. وتزداد هذه التساؤلات إلحاحاً في ضوء تقارير نُشرت عبر صحيفة TJV الإسرائيلية، التي نقلت في تقرير للصحفية شيري أوز أن “دروز إسرائيل يساعدون إخوانهم في سوريا التي مزقتها الحرب، بالمال والذهب”.
بحسب التقرير، فإن الشيخ موفق طريف، القائد الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، دأب على إرسال أموال طائلة إلى الداخل السوري على مدار عقد كامل، بهدف دعم أبناء الطائفة المتضررين من الحرب. وفتح هذا الطرح الباب أمام شكوك محلية بشأن احتمال وجود توسع عقاري يتم بتمويل غير مباشر من إسرائيل، عبر واجهات تحمل الجنسية السورية.
تستند هذه الشكوك إلى معطيات ميدانية تشير إلى نشوء أحياء جديدة لم يكن لها وجود سابق، وتعود ملكية الغالبية العظمى منها لأفراد من الطائفة الدرزية. إلا أن هذه المؤشرات بقيت في إطار الترجيحات، في ظل غياب الأدلة القاطعة، بسبب انتشار اقتصاد الظل الذي كان يرعاه نطام الأسـ د، إضافة إلى فساد منظومة الحوالات والمصارف، التي تعيق تتبع مسارات المال المشبوه.
وعادت هذه المخاوف إلى الواجهة مجدداً عقب سقوط النظام بعدة أشهر، في سياق أحداث عنف شهدتها مدينة جرمانا، حيث تعرضت دورية تابعة للأمن العام السوري لكمين عنيف أدى إلى اختطاف عدد من عناصرها واستشهاد آخرين. وأعقب الحادث تدخل حكومي واسع النطاق، قوبل بحالة تمرد طائفي في كل من جرمانا وصحنايا، وهو ما فُسّر على أنه تحوّل في المزاج المحلي، مدعوم بمظلة سياسية أو خارجية.
اللافت في تلك الأحداث، كان تهديد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتوجيه ضربات إلى العاصمة دمشق في حال دخول القوات الحكومية إلى جرمانا أو صحنايا. وتكررت النبرة التهديدية ذاتها خلال أحداث تموز الحالي، حيث استهدفت غارات إسرائيلية مبنى هيئة الأركان في دمشق، إضافة إلى مواقع قرب القصر الجمهوري، بالتزامن مع تهديدات متجددة بتوسيع الضربات إذا لم تنسحب القوات السورية من محافظة السويداء.
وكانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير، هي الطلب العلني من قبل الهجري بتدخل عسكري إسرائيلي لتقسيم البلاد، وهو موقف غير مسبوق في السردية السورية المعاصرة، دفع مراقبين إلى الربط بين هذا التمرد وبين ما يُشتبه بأنه مشروع خارجي طويل الأمد.
وتزامن ذلك مع تقارير إسرائيلية تحدثت عن تغيير ديموغرافي واضح في الجولان، تمثل في تبدّل الهوية السكانية، ما يضفي بعداً جيوسياسياً على المشهد السوري، ويربط ما يحدث في الداخل السوري بحسابات استراتيجية إسرائيلية أوسع.
وبالإضافة إلى البعد الديموغرافي، يُنظر إلى هذا التوسع كجزء من مشروع غير معلن، قد يُستخدم لاحقاً إما لعزل العاصمة عن محيطها التقليدي، أو لفرض أمر واقع طائفي في قلب التوازنات الجغرافية والسياسية. كما يُشتبه بأن بعض هذه الأحياء المستحدثة تُستخدم كواجهات لاستثمارات خارجية مرتبطة بإسرائيل، تهدف إلى مدّ نفوذ ناعم داخل البنية العقارية والاقتصادية للعاصمة دمشق، عبر دعم أقليات موالية أو قابلة للتوظيف سياسياً.
الأكثر قراءة
- رقصة اولى حولها القدر الى الرقصة الاخيرة: نزيف الأقليّات مستمرّ فانيسا حبيب
- في خدمة الحريّة: مستمرون في مواجهة الهمجيين والبلطجيين والميليشيا محمد الغزاوي
- عن التروما التي تعشقنا وتحاول قتلنا كارل حدّاد
- مجموعة “بريكس” تتوسع: هل ينتهي عصر الدولار؟ رَهادة الصميدي