النداء الأخير للدولة

يوليو 11, 2025

A-

A+

في شرق أوسط يعيد رسم توازنه على إيقاع الأمن والاقتصاد، يقف لبنان جامداً، يختبئ وراء إصبعه ولا يتخذ القرارات الفعلية الحاسمة بعيداً من الخطابات الواعدة. مشهد مناصري حزب الله المدجّجين بالسلاح في بيروت ليس فقط مقرفاً، بل يبعث على الشفقة. لكن الحقيقة الأهم أن هذه المشاهد ستتلاشى تدريجياً مع تراجع قوة الحزب، إذ لا وزن لها حين نعرف تماماً ما ارتكبه في الداخل مقارنةً بهذه المسرحيات الرخيصة. أما خطاب الأمين العام الشيخ نعيم، فهو نسخة مكررة ومستهلكة من ذاته، لا جديد فيه ولا قيمة، باستثناء جملة واحدة تجرأت على الواقع وهي: “إن الحزب جزء لا يتجزأ من سلام لبنان، وبناء لبنان، وعزّة لبنان”.


والحقيقة؟ الحزب هو الجزء الذي دمّر سلام لبنان، ونسف أي فرصة لبنائه، وسحق عزّته تحت أقدام سلاحه.

في هذا السياق، أتت رسالة المبعوث الأميركي توماس برّاك واضحة إلى حد غير مسبوق: “نحن كولايات متحدة لا ننوي التعامل معه (أي حزب الله)، بل أنتم يجب أن تتعاملوا معه”.  هذا التصريح لا يندرج ضمن المناورات الدبلوماسية المعتادة، بل يمثّل إعلاناً صريحاً عن أن المجتمع الدولي، وخصوصاً واشنطن، لن يستمر في التعامل مع واقع لبناني منقسم تُمسك فيه جهة مسلّحة غير خاضعة للدولة بجزء كبير من القرار الأمني والعسكري والسياسي.

حين يقول برّاك: “إذا أردتم التغيير، سندعمكم… وإذا لم تريدوه، فلا مشكلة، سنعود إلى ديارنا”، فهو يوجّه الرسالة لا إلى الرؤساء الثلاثة فقط، بل إلى مجمل الطبقة السياسية اللبنانية: لا تغيير يُفرض من فوق، بل على الدولة أن تقرر – هل تريد فعلاً فرض سلطتها الكاملة واستعادة مفهوم الدولة، أم أنها ستواصل إدارة التعايش القلق مع قوة موازية داخل أراضيها؟

الدعم مشروط بالاختيار، والاختيار أصبح الآن لا يحتمل التردد.

وهنا يظهر الخلل البنيوي في الأداء السياسي اللبناني. فبدلاً من أن تكون الدولة الطرف الذي يطلب رسمياً الدعم لتطبيق القرارات الدولية التي هي نفسها وقّعت عليها، نجد أنها غالباً ما تتعامل مع هذا الملف بلغة الوسيط، تارة لحماية التوازنات الداخلية، وطوراً لتحاشي الاصطدام مع الحزب. وهذا الدور الهشّ جعل الدولة في موقع دفاع دائم بدلاً من أن تكون في موقع المبادرة، وسمح للحزب بترسيخ معادلة “الدولة الحاضنة للمقاومة”، وهو مفهوم يتعارض جذرياً مع منطق السيادة والمؤسسات.

في المقابل، حين تحدّث برّاك عن التجربة السورية، لم يكن يقارن ببنية سياسية مثالية، بل كان يلفت إلى ما يمكن أن تفعله أي سلطة تتخذ قراراً حاسماً وتمضي فيه حتى النهاية. قال: “في كانون الأول، الكيان الذي كان يُنظر إليه كجماعة حرب عصابات أصبح شريكاً موثوقاً في الحكم، واكتسب مساعدة من العالم”.

 الرسالة هنا مزدوجة: من يفرض سيطرته على الأرض، ويتصرف كدولة مسؤولة، ويبرهن أنه قادر على فرض النظام، تُبنى حوله الشرعية الدولية بغض النظر عن الماضي أو الشكل السياسي.

في سوريا، مهما كانت الاعتراضات الدولية في البداية، الواقع فرض نفسه: هناك سلطة واحدة، قرار واحد. أما في لبنان، فإن التعدد في مراكز القوة، من السلاح إلى القرار الأمني والعسكري والسياسي، يخلق صورة دولة منقوصة السيادة، عاجزة عن تقديم التزامات موثوقة لأي جهة خارجية.

هذا الفارق الجوهري هو ما يجعل لبنان خارج معادلة الدعم الجدي اليوم، ويشرح لماذا تتردد الدول في تقديم مساعدات استراتيجية، على الرغم من كل التصريحات الإيجابية.

كلام برّاك أيضاً يتجاوز مسألة السلاح ليطاول جوهر تكوين النظام السياسي، حين قال: “نحن لا نأتي لنقول إنه يجب تغيير النظام أو أننا مستاؤون من الطائفية السياسية أو الطائفية الدينية… لكنكم تريدون التغيير، ولذلك سندعمكم في هذا التغيير”.

هنا، يعيد طرح سؤال محوري: هل تملك الدولة اللبنانية فعلياً الإرادة لتطوير نظامها السياسي القائم على المحاصصة الذي يعطّل القرار الوطني؟ أم أنها ستواصل الدوران في الحلقة المفرغة نفسها، وتنتظر الخارج ليبادر بدلاً منها؟

برّاك اختتم برسالة استراتيجي: “ أنتم جوهرة المتوسط، فتسارعوا إلى الالتحاق بالمركب” وهذه ليست مجاملة دبلوماسية بل إشارة إلى أن اللحظة مؤاتية: شرق أوسط يعيد رسم حدوده الاقتصادية والسياسية، عبر مشاريع إقليمية كبرى، مثل الاستثمار في الطاقة والتعاون الأمني. وإذا بقي لبنان محكوماً بواقع موازٍ خارج مؤسسات الدولة، فسيفوته القطار، وسيتحول تدريجياً من دولة شريكة إلى هامش جغرافي معزول.

الرسالة واضحة: إما أن تستعيد الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة وتطالب بدعم يكرّس سيادتها ويُنهي منطق السلاح المواز، أو أن تستمر في إدارة التوازنات، وتدفع ثمن العزلة الدولية والتهميش الإقليمي.

الدعم ليس وعداً أبدياً، والصمت لم يعد حياداً، والمراوحة لم تعد خياراً. من لا يتحرّك اليوم بإرادته، سيتحرّك غداً بشروط غيره. ومن لا يفرض سلطته، سيفقد شرعيته. فإما أن تكون الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار، أو أن يُكتب لها الغياب عن مستقبل يُرسم الآن… من دونها.