السويداء أزمة وطن لا محافظة

يوليو 23, 2025

A-

A+

في الجنوب السوري، تنزف السويداء اليوم بصمتٍ ثقيل. ليست مجرد محافظة منكوبة، بل مرآة مكسورة تعكس فشل الدولة وتخاذل السلطة، وتكشف عمق الشرخ بين وطنٍ يُفترض أن يحتضن أبناءه، وسلطة لا تزال تتقن فن الإقصاء والتخويف. هناك، حيث تتقاطع الأسلحة مع الهويّة، يتصارع صوت الرصاص مع صرخة الناس العاديين، المطالِبين فقط بالأمن، والعدالة، وكرامة لا تُساوَم.

المواجهات في السويداء والتوترات الأمنية المتصاعدة لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت نتيجة تراكم طويل للفوضى الأمنية والانهيار الاقتصادي، في ظل غياب شبه كامل للدولة، أو تواطؤ واضح من السلطة مع حالة الانفلات. هذا الواقع أدى إلى تهميش المحافظة وتفككها اجتماعياً، فيما غابت الدولة عن دورها الطبيعي في حماية المواطنين وتطبيق القانون، مفضّلة الانحياز أو الصمت، ما زاد من حدة الانقسامات والتوترات المحلية.

ما يُقلق في المشهد ليس فقط الاشتباكات بين أبناء الطائفة الدرزية وعشائر البدو، بل تصاعد الخطاب الطائفي والمناطقي، ومحاولات شيطنة الآخر وتحميله مسؤولية الأزمات. هذا الانقسام ليس ظاهرة عفوية، بل نتيجة مباشرة لسياسات السلطة التي قامت لعقود على التخويف والتفريق، وعجزت عن بناء وطن جامع. في ظل هذا الفراغ، تتحوّل أي مواجهة محلية إلى فتنة مفتوحة، مع غياب سلطة تحكم بالعدل وتحتضن الجميع.

ما يحصل في السويداء اليوم ليس أزمة أمنية محلية، بل مرآة لفشل المنظومة السياسية السورية بأكملها. السلطة لم تُثبت يوماً أنها قادرة على حماية السوريين أو توحيدهم، بل أصبحت عبئاً عليهم، في وقت يُطرح فيه بديل هش على شكل زعامة مناطقية، كما هو الحال مع أحمد الشرع، الذي نصّب نفسه كرئيس مؤقت من دون شرعية وطنية واضحة أو توافق جامع، ما يعيد إنتاج منطق السلطة نفسها بأدوات مختلفة.

تصريحات الشرع الأخيرة بعد وقف إطلاق النار، التي اتهم فيها بعض أبناء السويداء بالطموحات الانفصالية، جاءت صادمة، خاصة في ظل غيابه عن إدانة الهجمات على المدنيين، وتجاهله لمعاناة الأهالي تحت سطوة السلاح والفوضى. هذا الخطاب الإقصائي يعكس استمرار نهج معاقبة الضحية والتغاضي عن الجلاد، ويعمّق فقدان الثقة بأي قيادة لا تضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة.

الحل لا يكمن في فرض سلطة جديدة من دون شرعية، بل في تشكيل حكومة انتقالية تعبّر عن إرادة السوريين جميعاً، تمثّل مختلف المناطق والطوائف، وتعمل على إنقاذ ما تبقى من الدولة وبناء هوية وطنية جامعة. دولة لا تقوم على التخوين والإقصاء، بل على ترسيخ مبدأ المواطنة.

الانقسامات القائمة تفتح الباب أمام التدخل الخارجي، وعلى رأسه إسرائيل، لاستغلال الفوضى الداخلية وتفكيك ما تبقى من سوريا. كما قد تعرقل أي جهود لإعادة توحيد البلاد، لا سيما مع مناطق سيطرة “قسد” التي قد ترفض تسليم سلاحها في ظل غياب الثقة بالحكومة المركزية، وتحديداً في ضوء ما يحصل في السويداء من تهميش وتوتر.

السويداء تنزف، لكنها في الوقت نفسه تُطلق رسالة واضحة: لا أمن من دون عدالة، لا وحدة من دون كرامة، ولا دولة من دون شعب حر يقرّر مصيره.